هشام جعيط

115

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

لكن في مستوى مركز المساحة . فضلا عن أن كلمة أسواق في الجمع تدل على بنية متفرعة ممتدة واسعة متنوعة ، وهي لا تعبّر إلا بصعوبة عن بنية مطولة بسيطة . ومن المعلوم أن مثل هذه السكك المتجهة إلى شمال / شمال شرقي كانت موجودة في الكوفة ، وكانت تصل بين القصر والجسر ، ثم في اتجاه السواد ، مخترقة المساحة المركزية والخطط القبلية . ولعل السكة الرئيسية كانت « سكة البريد » ، وهي الطريق البريدية الأساسية للاتصال « 1 » ، قبل أن تكون سكة لحام جرير كذلك ، كما قال ماسينيون « 2 » . وأخيرا يؤكد سيف أنه لم يكن يوجد في بداية الأمر ، في الصحن ، سوى المسجد والقصر والأسواق « 3 » بحيث تتساوى السوق والكتل المجالية الأخرى ، ويكون قوله مؤيدا للتصور الخاص بالأسواق المفتوحة الواسعة الممتدة ، أي الميدان المحيط بالمسجد ، الذي يتقدم حتى القصر ، ويتوغل حتى الشمال والغرب والشرق . وكانت هذه الأسواق مغطاة بالحصر ، في بداية الأمر « 4 » . ولم يتمّ الشروع في بنائها إلا بعد مدة تناهز القرن ( فترة خالد القسري ) ، وكان ذلك على قواعد متينة جمالية . فهل بقيت على وضعها القديم قبل ذلك ؟ يمكن ترجيح ذلك إلى حد بعيد لأن أبا مخنف يفوه بخصوص فترة المختار ( 66 ه / 685 م ) بما يفيد أن الأسواق لم يكن فيها بناء في ذلك الزمان « 5 » . وعلى صعيد التنظيم وحسب ، من المعلوم أن أماكن الباعة لم يقر لها قرار . لكن إذا احتل البائع مكانا لأول مرة ، فإنه يستمر يشغله كامل يومه ، كما هو معمول به في المساجد « 6 » . وهذا أمر يحملنا على القول أن التنظيم والتخصص في الأسواق كانا معدومين . وسوف يتحقق هذا الأمر في العصر الأموي « 7 » . الآري : أما الآري ، فقد ذكره الطبري مرتين « 8 » ، كما ذكره اليعقوبي « 9 » ، بحيث أن اتحادهما في

--> ( 1 ) انظر لاحقا . ( 2 ) Massignon , op . cit . , pp . 42 , 45 . ( 3 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 4 ) كتاب البلدان ، ص 311 . ( 5 ) الطبري ، ج 5 ، ص 258 ؛ ج 6 ، ص 19 و 30 و 106 . ( 6 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 7 ) يبدو أن زيادا قد شجع على استقرار المواقع والتخصص في البصرة بصورة ما : أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 239 . ( 8 ) الطبري ، ج 4 ، ص 52 . ( 9 ) كتاب البلدان ، ص 310 .